كنت أتلقى العلاج في قسم الطوارئ بأحد المستشفيات الخاصة حين سمعت فتاة تصرخ من التعب. كانت تقول إنها لا تشعر بساقيها، وإن قلبها يتسارع وتشعر بضيق في صدرها. كانت والدتها معها. لا أذكر هذا الموقف لأحكم على أحد، بل لأن بعض المشاهد تبقى معنا وتدفعنا إلى سؤال أنفسنا: كيف نتعامل مع إنسان يمر بأزمة؟
سأل الطبيب عما حدث. في البداية قالت الأم إنها لا تعرف، ثم أوضحت أن ابنتها كانت تمر بضيق نفسي بعد عدم قبولها في الجامعة، وأنها تناولت أدوية قبل ساعات. سأكتفي بهذا القدر من التفاصيل؛ فالمهم هنا ليس وصف ما حدث، وإنما إدراك خطورته والحاجة إلى المساعدة العاجلة.
بحسب ما سمعته، وصف الطبيب الواقعة بأنها محاولة انتحار، وتحدث عن ضرورة إبلاغ الشرطة أو التوجه إلى مركز علاج السموم في الدمام. وأوضح أن الوقت الذي مضى يجعل الأمر أبعد من علاج بسيط. أنقل هذا بوصفه حديثًا سمعته في ذلك الموقف، لا قاعدة طبية أو إجراءً نظاميًا ينطبق على كل حالة.
اعترضت الأم على المسافة إلى الدمام، وطلبت من ابنتها أن تتحمل. ثم برزت مسألة التغطية التأمينية وتكلفة العلاج؛ وبحسب ما سمعت، لم تكن الحالة مشمولة بالتأمين، ورفضت الأم الدفع وقررت المغادرة من دون علاج. لا أعرف ما جرى بعد ذلك، ولا أستطيع القول إن الفتاة غادرت بالفعل أو حصلت لاحقًا على المساعدة. أتمنى أن تكون بخير.
يا جماعة الخير، عدم القبول في الجامعة قد يبدو لبعضنا أمرًا يمكن تجاوزه، لكنه قد يكون صدمة ثقيلة على شابة علّقت عليه آمالها. التعثر الدراسي لا ينقص قيمة الإنسان، والضيق النفسي ليس دلالًا ولا ضعفًا. لا نعرف كل ما كانت تمر به هذه الفتاة، ولهذا لا يصح اختزال ألمها في موقف واحد أو توجيه اللوم إليها.
دور الأسرة في هذه اللحظات يبدأ بالاستماع والطمأنة: «نحن معك، وسنطلب المساعدة». لا نحتاج إلى امتلاك الإجابات كلها كي نكون سندًا. نحتاج إلى أخذ الكلام عن الألم بجدية، والابتعاد عن التوبيخ والمقارنة والتهوين. ومن حق من يتألم أن يجد مساحة آمنة للكلام، لا خوفًا إضافيًا من رد فعل من يحبهم.
أما الاشتباه في التسمم فهو حالة تستدعي رعاية طبية عاجلة. لا ننتظر أن تزول الأعراض وحدها، ولا نجعل بُعد المكان أو القلق بشأن التكلفة سببًا لتأخير طلب الطوارئ. يمكن عرض العوائق على الفريق الطبي وطلب توجيهه، لكن الأولوية تبقى لسلامة الإنسان وتقييم حالته على يد المختصين.
حين رويت القصة سألت عن تصرفات الحاضرين. واليوم أفضّل أن يكون سؤالنا: ماذا نفعل نحن إذا واجهنا موقفًا مشابهًا؟ نسمع، ونساند، ونطلب المساعدة. ليس هدفنا محاكمة فتاة متألمة أو أسرتها، بل أن نتعلم كيف نكون أقرب إلى بعضنا وقت الشدة، وأن نؤكد أن طلب الدعم أمر مقبول ولا ينتقص من أحد.
إذا كنت أنت أو شخص قريب منك تمرّون بضيق، فلا تبقوا صامتين؛ في السعودية اتصلوا على 937، وزارة الصحة، أو 997 / 911 في الحالات الطارئة.

